ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

478

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الجزاء ولا ابتلي بهذا البلاء ، فأضمروا هذا في أنفسهم وهابوا أن يكلّموه بذلك ، فلمّا رأى أيّوب جفاءهم وابتدأ يستنطقهم فقال : يا ربّ ما الذنب الذي أذنبت ولم يذنبه أحد غيري ؟ أم ما العمل الذي عملته فصرفت به وجهك الرحيم وقضيت هذا البلاء عليّ ؟ فقال له صاحبه الدمشقي : قد أعيانا أمرك يا أيّوب ، غير أنّا كنا نرى من عملك أعمالا نرجو لك الثواب عليها وظننا أنّك مخلص في ذلك فكنت مرائيا فابتليت بهذا البلاء من أجل عملك . فقال أيّوب : الحمد للّه ، البلاء عندي عدل وقد علمت أنّ بلاء الدنيا ليس ببلاء وأنّ رخاءها ليس برخاء لأنّهما يزولان ويموت عنهما أهلها ، ولكن طوبى لمن كانت راحته في الدار التي لا يموت عنها أهلها ولا يزول عنهم ملكها ونعيمها ، السعيد من سعد هنالك ، والشقي من شقي هنالك وأنا صابر على البلاء راض بقضاء اللّه . وقال له صاحبه صوفي : أتزكّى نفسك يا أيّوب وأنت خاطئ ؟ يا أيّوب لو اعترفت بذنبك وبكيت على خطيئتك وأقبلت على ربّك عسى أن يجعل لك هذا البلاء نورا أو ذخرا في آخرتك . فقال أيّوب : أسألك يا إلهي أن لا تهلكني قبل أن تعلمني ما ذنبي ولأيّ شيء صرفت وجهك الكريم عنّي . فقال له صاحبه اليفن : تزعم أنّك لا تعلم لك ذنبا وأنّ هذا البلاء أصابك بغير ذنب ؟ بل هو عقوبة إصرارك وسوء إسرارك وربّك لا يظلم أحدا . ثمّ قال له صاحبه بلدد : ألم تعلم يا أيّوب أنّ المرائي يجزأ أيّما أسرّ من عمله ويبطل عنه العلانية التي خادع عن نفسه وتكون عاقبة أمره خسرانا ؟ فكيف عاقبة أمرك يا أيّوب ؟ فقال فتى حضرهم وسمع قولهم : أيّها الكهول ، إنّ أيّوب نبيّ اللّه وخيرته من أهل الأرض اختاره اللّه لوحيه ، وإنّ اللّه يبتلي النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين ، وليس بلاؤه لأوليائه دليلا على سخطه عليهم وهوانه لهم ، ولكنّها كرامة لهم ، فاللّه اللّه أيّها الكهول في أنفسكم . ثمّ قال لأيّوب : تمسّك باللّه وثق به وتضرّع إليه يفرّجك إن شاء اللّه . وقال ابن عبّاس : إنّ أيّوب لما طال به البلاء اشتهى أداما في لحم وسمن ولبن ، فلم تصب امرأته ذلك فباعت قرنيها فأتت به ، فلمّا أتى ذلك أيّوب قال : من أين لك هذا ؟ فكشفت عن رأسها فقالت : بعت قرني شعري . فقال أيّوب عند ذلك : إلهي ابتليتني بذهاب المال والولد والبلاء في جسدي ثمّ صيّرتني أعيش في شعر حليلتي ، إن كان هذا سخطا فارض عنّي ، وإن كان رضا فزدني . إلهي إنّك تعلم أنّه لم يخالف قلبي